سألتُ إيمان ونحن نمشي جنبًا إلى جنب في أحد المسارات في بداية وادي كوب برأس الخيمة: "بتسافرين ويا البنات هالسنة؟"
كنت قد اطلعت للتو على قائمة الرحلات السنوية الخاصة بمجموعة السفر النسائية "إنكاونترز"، وأردت أن أعرف إن كانت إيمان قد حددت وجهتها المقبلة. تعرفت على إيمان عن طريق الصدفة في إحدى رحلات المجموعة نفسها قبل سنوات قليلة، وبعدها أصبحت كل المشارِكات في هذه الرحلات صديقاتٍ لنا.
ابتسمت إيمان وأشارت بكلتا يديها إلى بطنها الذي بدأ يكبر بوضوح، معلنةً بهدوء أنها تنتظر مولودًا جديدًا. كانت تلمح بلطف إلى أنها ستضع خطط السفر جانبًا في الوقت الحالي.
أمامنا كان أحمد، زوج إيمان والمرشد الرئيسي للمسار، يواصل قيادة المجموعة.
جمع بين أحمد وإيمان شغفهما المشترك بإستكشاف الطبيعة والتعرّف إلى تضاريس المكان، ثم تحول هذا الشغف إلى علاقة شخصية انتهت بالزواج. كان خبر زواجهما مصدر فرحٍ لكل من عرفهما. لقد حملا فضولًا حقيقيًا تجاه طبيعة دولة الإمارات وقصصها، أحاديثهما كانت تدور باستمرار حول الجبال والقرى التاريخية وتلك المسارات القديمة والناس الذين عاشوا في هذه الأماكن يومًا ما.
ومع مرور الوقت وعيشهما سويًا وتزايد ما جمعهما من رحلات وتجارب في الاستكشاف والتعلّم معًا، ازدادت قناعتهما بأن الأرض مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحكايات الأُسر والمجتمعات التي عاشت عليها وأسهمت في تشكيل تاريخها. تحول حبّهما للطبيعة إلى جزء من مشاعرهما وأسلوب حياتهما، قبل أن يزداد عمقًا مع قدوم ابنهما فهد.
حتى قبل أن يصبحا والدين، كانا يهتمان بالأسرة ودورها في صناعة التجارب والذكريات المشتركة. لذلك كانا يحرصان على التخطيط لرحلاتٍ تناسب مختلف أفراد العائلة، سواء كانوا المشاركون أطفالًا صغارًا، أو إخوة وأخوات، أو آباء وأمهات في أعمار متقدمة، كان هناك دائمًا متسع للجميع. كما علمتهما الأماكن التي زاراها أن التراث لا يقتصر على المواقع التاريخية أو العادات المتوارثة فقط، هناك أيضًا القيم التي تنتقل من جيلٍ إلى آخر، عبر الكرم والصبر والاهتمام بالآخرين.
دائمًا ما يحرص أحمد وإيمان على اختيار المسارات ذات الدلالات التاريخية والأهمية الجيولوجية والنباتية . إنهما يؤمنان بضرورة تسليط الضوء على مثل هذه المواقع. وقد دفعتهما طبيعتهما الحنونة إلى التركيز على سلامة الجميع وتقديم المعرفة ومعها متعة التجربة، ليحس ضيوفهما بنفس الشغف الذي يحملانه للطبيعة وللحياة التي بنياها معًا.
خلال رحلتنا في وادي كوب، وبعد أن امتلأت بطاقات التحدي الخاصة بنا بالعلامات، توقف أحمد للحظة وهو يتفحص الطريق أمامه وقال محذرًا: "ما أشوف درب، انتظروا هني، بشوف كيف نكمل"، وقبل أن يبتعد كثيرًا ارتفع صوت إيمان بحماس: "لقيت واحد!". كانت لحظة عفوية جسدت طبيعة العلاقة بينهما، توازنٌ حاضرٌ دائمًا، في الحياة كما في العمل.
عملت مع أحمد جليل وإيمان المري لأول مرة خلال المراحل المبكرة من تخطيطي لسلسلة رحلات ومنيوهات تحمل اسم Eat the Landscape. كنت أريد أن يشعر الضيوف بالأمان ويتعرفوا على المكان، لذلك اخترت العمل مع شركة مُـغـامـرات الـيِرز "YRZ "Adventures، وهي شركة رحلات مرخصة في دولة الإمارات يترأسها أحمد.
عندما تواصلت معهما للعمل معًا، وجدت أكثر بكثير مما كنت أتوقع. وجدت التعاون، والاهتمام وخفة الروح والشعور بالمسؤولية. لقد منحاني المساحة والدعم بينما كنت أحاول تنفيذ فكرة اعتدت على تقديمها في سياقات فنية وثقافية، لكنني هذه المرة كنت أطلقها بشكل مستقل.
ملآ الفراغات التي ظهرت في الطريق بهدوء وعفوية، وساعداني في كل ما احتجت إليه، حتى عندما كان ذلك يعني تأجيل بعض مهامهما الخاصة.
نجحت الفعالية، لكن الأهم من ذلك أن هناك الكثير مما يمكن تعلّمه. وبعد انتهائها، جلسا معي بهدوء وشرحا لي كيف يمكنني تطوير التجربة، وكيف يمكننا العمل معًا بشكل أفضل في المستقبل. وما زلت أعود إلى تلك اللحظة كلما أردت تذكر مساحة العطاء التي يحملانها ومدى اتساعها.
في إحدى الأمسيات زارني أحمد وإيمان في الكافتيريا التي أديرها، كان وقتًا رائعًا تبادلنا خلاله القصص والذكريات. وعندما انشغل أحمد بإرضاع فهد وتهدئته تابعنا أنا وإيمان حكاياتنا وحديثنا، لم نشعر بالوقت إلى أن وقفت إيمان تجمع حقيبة طفلها وتجمع معها أحاديثنا عن خطط العمل في المستقبل القريب. إنه الحرص والاهتمام حاضر في كل ما يفعلونه.





