07.03.2022

الأماكن تشكّلنا

بقلم طارق مالك

 

بدأنا نشاطنا كأول متجر ساعات كلاسيكية قديمة في الإمارات العربية المتحدة في عام 2011. وحين افتتحنا متجرنا في دبي كانت السوق العالمية للساعات الكلاسيكية لا تزال ناشئة إلى حد ما، وكان قلة من الناس هنا على دراية بنشاطنا. ولكن مع تناقل الأخبار بين الجموع بدأت الأمور تتطور بالنسبة لنا في وقت قصير  وسرعان ما صار الزوار والعملاء يتوافدون إلى المتجر لمعاينة ساعاتهم والتباهي بمُقتنياتهم الخاصة، حيث أن العديد من الساعات التي كان يعرضها الزبائن كانت في الأصل ملكاً لأب أو جد، والتي كانت ذات قيمة عاطفية ومعنوية كبيرة. 

 

ومع مرور الوقت بدأ جمهور الساعات الكلاسيكية بالازدياد حيث وفر متجر “مومينتوم” مجالاً لبروز هذا النوع من الساعات. 

 

يمكن القول إننا أصبحنا بشكل أو بآخر بمثابة المتحف المفتوح. ففضلاً عن مقتنياتنا الخاصة، بات هواة الاقتناء المحليون يلعبون دور المقيمين الفنيين لدينا. فخرج من قلب هذا الشغف مجتمع من المهتمين. لم يزرنا الناس للاستمتاع برؤية ساعاتنا فحسب، بل كانوا يمكثون لسماع القصص التي تدور حول كل واحدة منها أيضاً. وقد استطعنا من خلال مشاركة هذه الفئة من إثراء تاريخنا المشترك على الرغم من أن تلك القصص كانت مرتبطة بأفراد. إلا أننا كنا نضفي ملامح جديدة من المعاني إلى ماضي الوطن من خلال تسليط الضوء على العديد من الأشخاص الذين ساعدوا وساهموا في بنائه.

 

اللحظات تصنعنا

كانت أجمل ساعة رأيتها في حياتي هي ساعة “رولكس جي إم تي ماستر” لعام 1971 التي تحمل شعار وزارة الدفاع الإماراتية. كانت هدية من الشيخ محمد بن راشد عندما كان شاباً إلى أحد التجار المحليين في دبي. أحضر إبن هذا التاجر الساعة إلى متجرنا منذ نحو سبع سنوات بغرض الصيانة. كان عمر الساعة حينها ما يقارب الأربعة عقود، ولكنها كانت مثالية من جميع النواحي. أعربت للأبن بعد اجتماعنا الأول عن استعدادي لشراء الساعة إذا فكر في بيعها، ثم انتهى لقاؤنا، ودعنا بعضنا وبقي الحال على ذلك. 

 

 وبعد مرور ثلاث سنوات من ذلك اللقاء، قرر الابن الموافقة على عرضي بِشراء الساعة. وكانت عملية البيع تلك هي أكبر معاملة تجارية قمنا بها حتى يومنا هذا، حتى أنني احتجت حينها بعض الوقت لأعيد ترتيب أموري المالية لأتمكن من توفير المبلغ المطلوب لشراء الساعة، وقد كان ذلك الشخص متفهماً للغاية لدرجة أنه عرض أن يترك الساعة معي لحين تَمكني من توفير المبلغ المطلوب. لم يأخذ منى إيصالاً ولم يطلب أي شيء في المقابل، بل اختار بكل بساطة أن يضع ثقته بي. وقد عكست تلك الثقة العلاقة والمسؤولية القائمة فيما بيننا وليس فقط كوني شريك إداري في متجر “مومينتوم“، بل كوني عضواً في مجتمعه ومحيطه. وقد زاد هذا التصرف من شعوري الشخصي بالمسؤولية، لأنني كنت مؤتمناً على ما كان يمثل إرثاً عائلياً ثميناً وكنزاً وطنياً.

 

وكما اتضح لاحقاً، فقد كانت تلك الساعة سبباً في رفعة مكانة متجر “مومينتوم” في مجتمع الساعات العالمي. فقد جذبت هذه الساعة انتباه كبار التجار في معارض الساعات التي أقيمت في كل من نيويورك وميونخ وجنيف، وساهمت في وضع متجر “مومينتوم” على الخريطة العالمية.

 

أي أنه في غضون الأسابيع القليلة من إقامتي في مدينة دبي وتكوين مجتمعي الخاص، اكتسبت اعترافاً عالمياً من مجتمع آخر. الساعة نفسها وصلت إلى المتجر ثم أكملت مسيرتها إلى مكان آخر، لكنها وبالرغم من ذلك غيرت مسار حياتي للأفضل.

 

الذكريات تحدد هوياتنا

كنت قد تلقيت رسالة قصيرة بعد ظهر أحد الأيام من عميل قديم. لم تتضمن الرسالة أكثر من: “أنا بحاجة لمساعدتكم يا طارق”. وبما أن الرسالة بدت وكأنها نهاية قصة ما، إلا أنني قررت أن أعرف أكثر عن بدايتها ومحتواها. 

 

بدأت القصة قبل ثلاثة عقود مع والد زبونة لِي وأختها الكبرى. كان من المقرر أن تتزوج هذه الأخت، إلا أن والدها لم يكن لديه المال الكافي لدفع تكاليف حفل زفافها، فقام ببيع ساعته والتي كانت تمثل أغلى ممتلكاته. أقيم حفل الزفاف وتم عقد القران وسرعان ما تغير وضع الأب وعائلته وازدهرت ثروته وصارت عائلته منذ ذلك الوقت من أكثر العائلات الميسورة والمحترمة في المدينة. انتهت قصة ساعته في ذلك اليوم، إلا أن إبنتاه، واللتان حققتا فيما بعد نجاحاً مذهلاً في حياتهما، طلبتا مني مُساعدتهن في كتابة فصل جديد من حياة والدهِّن . 

 

قدمت الأختان وصفاً للساعة التي تم بيعها اعتماداً على ذاكرتَهن قدر إسْتطاعتهن. وصحيح أن تلك التفاصيل لم تكن كثيرة، إلا أنها كانت كافية لإرشادي في البحث عنها. وفعلاً عثرت على الساعة بعد شهر من البحث، وبعد عدة أسابيع كانت الساعة مع الأختين وفي الوقت المناسب تماماً لذكرى ميلاد والدهن .

 وبعد مرور بعض الوقت وصلتني رسالة منهن مكونة من أربع صفحات تضمنت مشاعر الشكر والامتنان لما قدمت لهن وشرح لكل الأسباب التي جعلت هذه الساعة ثمينة بالنسبة لهن ولوالدهن .

 

لقد كان الأمر مؤثراً بشكل لا يصدق، وذكرني بأن عملنا في دولة الإمارات العربية المتحدة يتعلق بما هو أكبر من معرفة الوقت من خلال الساعات الكلاسيكية القديمة، فقد تمكنا من إعادة تدوين تاريخ وذكريات النساء والرجال الذين امتلكوها. كانت كل ساعة عبارة عن سجل يؤرخ حياة الأشخاص التي عاشوها، بنجاحاتها وتقلباتها، وتأثيراتهم على عالمنا. وكانت مهمتنا هي التأكد من أن حياة هؤلاء لن يمحوها الزمن. 

 

الوقت يكشف كل شيء

لكل منا دور يلعبه في هذا الوطن، ويتشكل هذا الدور من خلال علاقتنا مع الزمن. هناك أشخاص يربطون أنفسهم بالحاضر، ويعملون بجد حتى نتمكن من العيش كل يوم في راحة وسلام. ثم هناك من يتطلعون نحو المستقبل، ويقضون حياتهم في الحلم برسم مسارات جديدة لأجيالنا. وأخيراً، هناك أشخاص مثلي، يثقون في الحاضر ويؤمنون بالمستقبل، إلا أنهم يكرسون حياتهم للتأكد من أن الماضي لن يضيع بمرور الزمن.

 

إن الاحتفالات بعام الخمسين تظهر لنا أن الماضي والحاضر والمستقبل يعتمدون على بعضهم البعض. وأنه وباحتضان كل ما كان، وكل ما هو كائن، وكل ما سيكون، لن تكون هناك حدود لما يمكننا تحقيقه معاً.

 

طارق مالك، المؤسس الشريك والشريك الإداري لشركة “مومينتوم” المتخصصة في الساعات الكلاسيكية القديمة والتي تتخد مركز دبي المالي العالمي موقعاً لها. 

عام الخمسين