28.02.2022

حب ممتد عبر الأجيال

بقلم سرمد يحيى هاشم حمودي جلميران

أود أن أشارككم قصة والدي  يحيى هاشم حمودي ورؤيته  رحمه الله. حيث كان قد وصل إلى أبوظبي في صيف العام 1969. وكان عمي الأكبر نصوح حمدي قد سبقه بالمجئ منذ أواخر الخمسينيات. والذي طالما آمن بوجود مستقبل واعد لهذه الدولة والتي عرفت في ذلك الحين بالإمارات المتصالحة.

وقد استطاع إقناع والدي في العام 1969 بالقدوم إلى أبوظبي ليتعرف بنفسه على الفرص التي تنتظره في هذه الواحة الجميلة.

“كنت أنوي قضاء عام أو عامين في أبوظبي، لتوفير بعض المال، والزواج من والدتك والانتقال إلى الولايات المتحدة”، كان هذا ما اعتاد والدي أن يحكيه لي طوال سنوات مراهقتي.

وانتهى به الأمر إلى الاستقرار في دولة الإمارات لمدة 47 عامًا، حتى وافته المنية في العام 2016.

“كنا نسلك  الطريق الرملي على الشاطئ للسفر إلى دبي من أبوظبي، لأن القيادة بعيدًا عن الشاطئ تعني الضياع في الصحراء. وكنا نتوقف عند سيح شعيب، ويختم مَركز  مراقبة الجوازات جوازات سفرنا بختم خروج من أبوظبي ثم ختمها بختم دخول إلى دبي”.

يحكي لي والدي هذه القصة في كل مرة نقوم فيها برحلة خارج أبوظبي للذهاب إلى الشارقة أو دبي.

كان أول منصب شغلهُ والدي منصب مدير مكتب وكيل وزارة التربية والتعليم، بَعْدَ  أن تأسست دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد أتيحت له الفرصة في غضون عام من تعيينه، مقابلة مارغريت ثاتشر، السيدة الحديدية في المملكة المتحدة، التي كانت تشغل في ذلك الحين منصب وزيرة الدولة للتعليم والعلوم، والتي أصبحت فيما بعد رئيسة وزراء المملكة المتحدة.

وشهدت المرحلة التالية من حياته المهنية توليه منصب مدير مكتب وزير الأشغال العامة والإسكان، المغفور له محمد خليفة الكندي؛ الذي عرفناه في عائلتنا باسم أبو خليفة.

وفي العام 1979، بدأ والدي عمله الخاص، ثم في عام 1981، قام بتأسيس شركة الخليج للأنابيب مع شركائه  أبو خليفة، الإماراتي، وأنطوان نافاس، الفرنسي؛ حيث شكل هذا النموذج الكلاسيكي مثالاً على كيفية نجاح دولة الإمارات العربية المتحدة في جذب الناس من خلفيات وثقافات وجنسيات مختلفة للعمل معًا نحو تحقيق رؤية مشتركة. وعرفت الشركة لاحقاً باسم شركة الخليج لأنابيب النفط GPPC والتي تقع اليوم  تحت مظلة شركة IMCC Investment. وبعد عدة سنوات، قمنا ببيع أسهم عائلتنا في الشركة، لكنني ما زلت أعتبرها أحد أهم إنجازات والدي حتى الآن، للبلد الذي أحبه كثيرًا ولم يغادره أبدًا حتى وفاته.

كان والدي يقول دائمًا، وهو يتذكر الأيام الأولى لتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، إن ديوان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كان مفتوحًا للجميع. واستذكر كيف كانت قيادة الشيخ زايد مثالاً فريداً للعالم. كان نموذجاً يحتذى به. وكان والدي يؤمن بأن رؤية المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان تظهر قيماً أساسية لنجاح هذا الوطن؛ كيف نتفوق، وكيف نمضي قدماً في التحديث، مع التمسك المطلق بالقيم والتقاليد والجذور.

أمضيت طفولتي هنا في أبوظبي ما بين تحصيل دراسي ورحلات إلى المنتزهات والشواطئ وركوب القوارب ورحلات التخييم الليلية في ما يعرف اليوم  بجزر السعديات وياس . وعندما كنا نسافر إلى أوروبا، كان من الصعب علينا تصديق أن الناس في هذا الجزء من العالم ما زالوا يعتبرون الإمارات عبارة عن صحراء، بعكس ما نشأنا عليه وعرفناه من كونها واحة خضراء. كانت إمارة أبوظبي والإمارات بأكملها ولا تزال عبارة عن واحات جميلة نعتبرها كوطن لنا.

تحمل قصة والدي الكثير من الإلهام للصغار والكبار. وتذكير بما يمكن تحقيقه في أرض مليئة بالفرص والحلم والعمل الجاد.

وبينما أكتب هذا تخليداً لذكرى والدي الراحل، في ذكرى اليوبيل الذهبي لتأسيس دولة الإمارات لا أصدق أنه قد مر 45 عامًا منذ أن ولدت في هذا البلد و47 عامًا منذ قدوم والدي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. ولا يسعني إلا أن أتخيل لربما يكتب لكم ابني نفس الحكاية في الذكرى المئوية القادمة لتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة.. الفارق أنه سيكون هناك عدد لا يحصى من الإنجازات والعديد من المعالم البارزة للاحتفال بها وقتذاك.

عام الخمسين