27.10.2021

رؤية وإرادة وقلب نابض مؤمن : بقلم بدور سعيد الرقباني

بدأ الأمر كله في عام 1971 – عام الاتحاد، عام الأحلام والآمال والطموحات.

 

جاء أبي من قرية صغيرة في الفجيرة، وبداخله أحلام وآمال كبيرة. لقد آمن دائمًا بقوة العطاء وقوة الخير وقوة الأخلاق.

كان واحدًا من الأصوات المؤثرة التي مثلت احتياجات الحكومة بصفته أحد أوائل الأعضاء الذين مثلوا المجلس الوطني الاتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة. وفي عام 1977، انضم إلى مجلس الوزراء كوزير للزراعة والثروة السمكية، وكان حبه للوطن كل يوم في ازدياد، أحب أشجار النخيل والمياه والأودية والأرض.

كبرت وأنا أستمع لحكايات أبي عن مجالس المغفور لهم بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان هو مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة. والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي. كنا دائمًا ننبهر بهذه القصص. فهؤلاء الأساطير، آباء الوطن، كان جل اهتمامهم شعبهم، حقًا وصدقًا – وبنا، بجميع المقيمين على هذه الأرض المعطاءة.

في  أوائل الثمانينات من القرن العشرين، كبرت فتاة صغيرة وكبرت معها أحلام مماثلة – أحلام بأن تنشر الخير وتساعد الآخرين وترد الجميل لهذه الأرض. كانت لدى الفتاة أختًا صغيرة من ذوي التوحد.

في ذلك الوقت، لم يكن هناك معلومات كثيرة حول التوحد. لم يفهم الناس الفروق الدقيقة التي تميز ذوي التوحد. وبطبيعة الحال، أصبحت تلك الفتاة وعائلتها من النشطاء في هذا المجال. شجعت هذه العائلة الناس على قبول التوحد والتعامل معه. أصبح التطوع من أجل هذه القضية، في مدرسة أختها وغيرها من الأماكن، هدفًا ودعوة تملكتها منذ الصغر. أما في الجامعة، فقد انجذبت نحو المشاريع الداعمة لأصحاب الهمم. من المشاركة في مشاريع لتصوير أطفال  “متلازمة داون” إلى مشروع الطباعة عن لغة الإشارة الأمريكية، لقد عرفت الفتاة هدفها وحددت قضيتها.

هذه الفتاة هي الآن أم لفتاة جميلة ذات احتياجات طبية. كانت هديتها الثمينة من الله طفلة مميزة تعاني من ضعف سمع ثنائي شديد ونادر. وهكذا، بدأت الفصل التالي من حياتها. بدأت قطع اللغز المختلفة التي تمثل فترات حياتها تتجمع. ولأنها كانت تتوق إلى إيجاد طرق للتواصل مع طفلتها، انضمت لعالم لغة الإشارة. أصبحت الرحلة التي كانت تقوم بها ببطء أكثر وضوحًا مع مرور الوقت مع سعيها الدائم لمواصلة نشاطها لتصنع فرقًا، ولتقدم الدعم للعائلات والمجتمع. كانت الجذور مزروعة بقوة بالفعل، ونمت تلك الشجرة بفروعها المتشابكة.

أسست هذه الأم مركز كلماتي، وهي مؤسسة اجتماعية تعنى بدعم الأسر وأطفالهم لتضمن لهم تلقي التشخيص الصحيح وتوفير الخدمات لكافة احتياجاتهم التأهيلية والعلاجية. وهي الآن أحد أبرز الأصوات المؤثرة في الدمج الاجتماعي والتكامل المنهجي في الدولة.

خلال وقت قصير، تلهفت هذه الأم لبذل المزيد من الجهد والعطاء والإبداع. مستمدة إلهامها من القصص التي كانت تروى على مسمع منها عندما كانت في صغرها – قصص ملهمة عن المؤسسين وعن بلادها وأجدادها. ثم قامت بإيجاد قنوات مبتكرة لتستمر في النشاط العام، حيث نظمت مؤتمرات دولية  للصم وضعاف السمع لأول مرة في المنطقة، حيث ألقى رئيس أول جامعة للصم الخطاب الرئيسي الخاص بالمؤتمر بلغة الإشارة.

على عكس المؤتمرات التقليدية التي تقام فيها ترتيبات خاصة للحضور من الصم وضعاف السمع، قدم المؤتمر مترجمين لترجمة لغة الإشارة إلى لغة منطوقة للحضور. السامعين. ونتيجة لذلك،  عاش الحضور بجانب من التحديات التي يواجهها مجتمع الصم وضعاف السمع بشكل يومي.

كما عملت أيضًا في مشاريع إبداعية وحملات فنية اجتماعية أخرى لدعم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR).

آمنت هذه المرأة بشدة بقوة الشراكات والتعاون والفعاليات والحملات. لكنها لم تكن تعلم  أن هذا العمل سيحدث يوماً فرقًا ولم تدرِك حجم تأثير جهودها. لم تتخيل يومًا أن يتم تكريمها من قبل الأشخاص الذين كانوا قدوة لها، وهم حكام هذه الدولة، تكريماً يعكس إخلاصها وتصميمها في رد الجميل للمجتمع.

إن ما تحقق في الخمسين عامًا الأخيرة مذهل ورائع. تتحقق الأحلام بالفعل عندما يسعى المرء ويبذل كل جهده لتحقيقها. لا شك أن حكامنا قد وضعوا نموذجًا ومثالًا يؤكد لنا أنه لا يوجد شيء اسمه مستحيل. ومن هنا يمكننا أن نتنبأ بشكل الخمسين عامًا القادمة إذا أمعنا النظر في الخمسين عامًا الماضية. القوة والإرادة والقلب النابض المؤمن هو كل ما نحتاجه لتحقيق الأحلام.

 

سلسلة مقالات ” بين الخمسين والخمسين” تروي قصص وحكايات لأشخاص عاشوا حاضرهم وماضيهم في دولة الإمارات العربية المتحدة.

www.UAEYearOf.ae 

عام الخمسين