18.11.2021

سباق إلى القمة : بقلم سارة الباجه جي

سبتمبر 2002.. يوم أن وطئت قدمي لأول مرة أرض دبي. وها أنا الآن وبعد ما يقارب الـ 20 عامًا لم يزل يراودني شعور مختلط بين الرهبة والإعجاب بدولة الإمارات والإنجازات والتقدم والرقي وقصص النجاح المبهرة. ولطالما كنت اقول، لنفسي وللآخرين، كم أنا محظوظة لأنني شهدتُ   العديد من المنجزات التاريخية لدولة الإمارات العربية المتحدة. وراقبت كيف تمكنت كل من أبوظبي ودبي أن تصبحا مدينتين عالميتين، مدينتان تحتضنان أكثر  من 200 جنسية لها بصمة في  تصور المستقبل والتخطيط له. جذبني تعدد الثقافات في المدينة، استكمالاً للطريقة التي نشأت بها من خلال تعرفي و تداخلي مع الكثير من الثقافات والجنسيات المختلفة.

شهدت نشأتي وإقامتي وزيارتي مدُنناً عديدة ، تشمل فيينا ولندن والبحرين، قبل تخرجي بدرجة البكالوريوس في الصحافة من جامعة كونكورديا في مونتريال، كندا، في العام 2002. بعدها كنت على أتم الاستعداد لبدء حياتي المهنية ولكن في مكان واحد فقط؛ الإمارات العربية المتحدة البلد التي رأت طفولتي، خلال صيف أو صيفين. لم يكن لدي سوى ذكريات جميلة متمثلة في التنزه على مد الكورنيش، وافضل تلك الذكريات كانت عندما كنت أنا وأبناء عمي نصنع صنارة لصيد الأسماك. ومن هناك كنا نتجه إلى منتزه قريب، حيث نقضي ساعات من المرح والضحك على الأراجيح، من دون اكتراث للعالم وهمومه. 

وبعد أن حصلت على شهادتي في العلاقات العامة، استمتعت بممارسة العديد من المهام  في مجموعة متنوعة من القطاعات. وتمتد خبرتي إلى مناصب وظيفية في كبرى شركات الاتصالات، مثل سيمنز ونوكيا. والأهم من ذلك، أن أحدى مناصبي الأخيرة كانت في شركة تنظم سباق جائزة أبوظبي الكبرى للفورمولا 1 لأول مرة في عام 2009. وكان تنظيم واستضافة أول سباق من هذا النوع في الإمارات بمثابة لحظة فخر للبلاد وزاد من شغفي لعالم رياضة السيارات. وكانت هذه مجرد واحدة من  المنجزات التاريخية العديدة التي تشرفت بأن أكون جزءًا منها.

خلال فترة عملي في الفورمولا 1 في أبوظبي، أتيحت لي الفرصة للتواصل مع عمي الراحل عدنان الباجه جي، وهو دبلوماسي وسياسي عراقي من عائلة معروفة ومحترمة  لعقود من الزمان، شغل الراحل العديد من المناصب السياسية وكان أحد المستشارين المقربين للشيخ زايد، طيب الله ثراه، لسنوات عديدة. وكم كنت فخورة عندما اكتشفت أنه شارك في وضع مسودة بيان خاص بطلب دولة الإمارات الانضمام إلى الأمم المتحدة. 

وكان له الشرف برفع أول علم لدولة الإمارات العربية المتحدة خارج الدولة بفضل جهوده  الدبلوماسية التي ستبقى خالدة في الذاكرة وكتب التاريخ إلى الأبد. كنت أزور منزله في أبوظبي كثيرًا وأشعر بالإعجاب من الصور العديدة والتحف التاريخية التي تزين أرففه وجدرانه. كان يمتعني بالقصص والحكايات التي جمعته بشخصيات وقادة من جميع أنحاء العالم. تلمع عيناه بمزيج من الفخر والحب كلما ذكر المغفور له بإذن الله الشيخ زايد. وهو يحدثني عن لطفه وكرمه وتواضعه؛ سمات يتذكرها باعتزاز عن المؤسسين لهذا الوطن.

يسمح لي دوري الذي أشغله  حالياً  في هيئة دبي للثقافة والفنون، بالتواصل مع القطاع الثقافي والإبداعي وتمكينه. بدايةً من الفنانين و المؤديين  وصولاً إلى الكيانات الثقافية وأصحاب الأعمال وصانعي المحتوى، هدفنا الأساسي هو جعل دبي وجهة ثقافية عالمية ومدينة إبداعية بحلول عام 2025. كما يسعدني كوني جزءًا من فريق يختص بصياغة  السياسات التي من شأنها تسهيل الحياة على المبدعين لاختيار دبي للعيش والعمل والتعلم والترفيه. 

ومن المنجزات الأخرى التي افتخر بها للغاية هو دوري في مبادرة إطلاق أول تأشيرة ثقافية من نوعها في دبي،  وهي الإقامة الذهبية للأفراد الذين يعملون في أو يخدمون النشاطات الثقافية والإبداعية في الإمارة. تعد المبادرة، والتي  مدتها عشر سنوات، للأشخاص المميزين الذين قدموا مساهمات إيجابية عديدة في القطاع الثقافي، وتشجيعهم على جعل دبي وطناً لهم أمراً ليس مجزيًا فحسب، بل مبهجاً للغاية. مع العلم أن كل فرد من هؤلاء الأفراد قد ساهم بالفعل بشكل كبير في إثراء النسيج الثقافي والإبداعي لدبي. وهذا يعني أننا سوف نشهد تطورات هائلة في الخمسين عامًا المقبلة.

إن الرؤية الطموحة المتمثلة في أن تكون دبي مدينة آمنة وسعيدة وأفضل مدينة للعيش والعمل أصبحت أقوى اليوم، وذلك بفضل القيادة الرشيدة والفريدة للحكومة ومجموعة القوانين والمبادرات المشجعة للاستثمار  وللوافدين على حد سواء. وكلما عادت بي الذاكرة إلى الوراء  حيث كنت حديثة التخرج، أشعر بالفخر لاتخاذي قراراً كان في غاية الصعوبة لكن تبين لي أنه الأمثل..دبي هي الوطن الآن. في الوقت الذي كنت لا أعرف فيه أي شخص باستثناء زملاء العمل. لقد أطلقت مسيرتي المهنية وألهمتني لبدء مشروعي الخاص we.raq، وهي مبادرة مكرسة لتعزيز ثقافة وتراث بلدي العراق بين العراقيين المقيمين في الإمارات وخارجها. 

لقد ألهمني الدافع المستمر لتعزيز وإثراء التعايش في مجتمع الإمارات، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، للتعريف بحكاية بلدي. وخصوصاً وأن نشأتي كانت في مدن متعددة حول العالم باستثناء مدينتي بغداد، وبعد أن شعرت بالإنقطاع  عن العراق، تملكني شعور  بالحنين والحاجة إلى تكريمها وإلقاء الضوء على تاريخها. وبدأت في إبراز لهجتها الفريدة وثقافتها المتنوعة من خلال الطوابع والصور والمطبوعات القديمة التي تعرف بعبارات عراقية شائعة. وما بدأ كشغف سرعان ما أصبح جزءًا أساسيًا من حياتي وعملًا مزدهرًا، وذلك بفضل روح الطموح التي تتحلى بها موطني دبي.

 

سلسلة مقالات ” بين الخمسين والخمسين” تروي قصص وحكايات لأشخاص عاشوا حاضرهم وماضيهم في دولة الإمارات العربية المتحدة.

www.UAEYearOf.ae 

 

عام الخمسين